محمد خليل المرادي

364

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

المنبث . ووصل سببه المجتث . وأراد أن يرشف من بحره فكرع . وافترع من عون شوارده ما افترع . وتنقّل من وطن إلى وطن . إلى أن تجاوز صنعا وعدن . إلّا أنّه ما استقرّ حتى أذعن إلى الأوبة بالانقياد واستقرّ فأمّ أمّ القرى . وقال عند الصباح يحمد القوم السّرى . فمكث مدّة طويلة . وهو يكثر على تربة مولده نحيبه وعويله . فأعمل الرواحل ، وطوى المراحل . فأدرك المأمول ، وحطّ ثقل الحمول . وقد رأيت له مجموعة تنبئ عن حيثيته « 1 » ، عارض بها الأمين في نفحته . وأراد أن ينهض فكبا ، وأتعب كاهلا ومنكبا . وأعانه ولا أقول أشابة على عصابة ، وقدموه على أمر سدّ دونه باب الإصابة . فحاول ما أراد أن يحاول . وأين الثريا من يد المتناول . فما كلّ رام مصيب . ولا كلّ روض خصيب . وشتّان بين حلّة مطرّزة . وأخرى مرقّعة مخرزة . وبالجملة فله اطّلاع . ملأ منه الجوانح والأضلاع . وله نظم اطّلعت منه في مجموعته على القليل . كالروض المطير البليل . وهاك منه ما يساغ . وما هو كالذهب المصاغ . انتهى ما قاله . ومن شعره ما كتبه للأديب عبد الحيّ الخال الدمشقي من مكّة المشرفة ، بقوله من قصيدة مطلعها : ألا مبلغ عنّي الأحبّة من نجد * بأنّي على ما يعهدون من العهد أبيت لفقدي من أحبّ متيّما * يزيد بي الإعراض ودّا على ودّي أنهته دمعا من عيون أظنّها * مذاب عصيّ القلب يجري على خدّي أساير نجم الليل سهدا كأنّني * وإيّاه ذا فقد تقابل بالبعد كأنّ الدّجى بحر من الفكر دائما * أغوص به فالدرّ من موجه أبدي كأنّ الفلا أفق مواقيد نارها * شموس أنارت من سماها على الوفد كأنّ مديد الأرض والركب فوقه * سفين بلا جزر تسير ولا مدّ كأنّ المطايا فوق أظهرها لها * قباب من الآمال شوقا بها تفدي كأنّ الزمام الشوق منها لها غدا * يقود فلا تدري الحداة بما تحدي كأنّ شدا الغلمان عند انقيادها * لها صوت من تهوى يقول لها عندي كأنّ انثنا أيدي المطيّ ورفعها * قدود الغواني الراقصات من الوجد

--> ( 1 ) سمّاها : « الفواتح المكيّة ، والروائح المسكيّة » وتعرف ب تراجم بعض أعيان دمشق ، طبعت في بيروت سنة 1886 م . وتقع في 137 صفحة ترجم فيها لواحد وثلاثين من أدباء دمشق ممّن توفّوا في أوائل القرن الثاني عشر ، وقد أشرنا إلى ذلك في الهوامش .